أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

14

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

عليها ، كدأب الباطنية في التأويلات ؛ وهذا أيضا حرام فان الألفاظ إذا صرفت عن ظواهرها ، بلا نقل من الشرع ، أو دليل من العقل ، لبطل التعويل على النصوص ، وبهذا توصل الباطنية إلى هدم الشرائع ؛ إذ النفوس مائلة إلى المستغرب ومستلذة له . ومنها الحكمة وقد كانت الحكمة تعد خيرا كثيرا ؛ كما نطق به التنزيل بقوله : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً « 1 » وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « كلمة من حكمة يتعلمها الرجل خير له من الدنيا وما فيها » . والآن نقل إلى الطبيب والشاعر والمنجم ، حتى الذين يدحرجون القرعة على أكف السواد في شوارع الطرق ، فانظر هذا النقل من أين إلى أين . إذا عرفت مثار الالتباس في العلوم ، فعليك أن تنظر لنفسك فتقتدي بالسلف ، ولا تتدل بحبل الغرور حتى تتشبه بالخلف . فاعلم أن من العلم ما هو المذموم قليله وكثيرة ، ولا فائدة فيه دينا ودنيا ، أو ضرره يغلب نفعه ، كعلم السحر والطلسمات والنجوم ؛ ومنه ما هو المحمود كله : كالعلم باللّه سبحانه وتعالى وبصفاته وأفعاله وسنته في خلقه ، فإنه بحر لا ساحل له ، وما خاض فيه الا الأنبياء والأولياء والراسخون في العلم ، فمفتاحه أولا التعلم والجد ومشاهدة أحوال العلماء ، وآخره المجاهدة والرياضة وتصفية القلب وتفريغه عن علائق الدنيا والتشبه بأنبياء اللّه وأوليائه . وأما العلوم التي لا يحمد منها الا قدر مخصوص فهي العلوم التي هي فروض الكفايات فان لكل علم اقتصارا واقتصادا واستقصاء فان كنت أصلحت نفسك فلا عليك الاستقصاء فيها لاصلاح غيرك ؛ ويكفيك الاقتصاد ، بل هو الخير ، إذ لا يفي الأعمار بالاستقصاء في كل العلوم ، فاستقصاء البعض دون الآخر ليس بخير ، بل الأحسن الاقتصاد في الكل . وإن لم تكن أصلحت نفسك أولا ، فإياك أن تقصد اصلاح غيرك وتترك نفسك ، إذ لا أعظم منه خسرانا ؛ فعليك أن تشتغل أولا بتطهير نفسك من ظاهر الاثم وباطنه بحيث تجعله ديدنا

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية : 269 .